محمد الحميدي
54
جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس
وقدّم ابن « 1 » عمّه محمد بن إدريس ، فلمّا بلغ ذلك السّودان المرتّبين في قصبة مالقة ، نادوا بدعوة ابن عمّه محمد بن إدريس ، وراسلوه في المجيء [ 16 أ ] إليهم ، وامتنعوا بالقصبة ، فاجتمعت العامة إلى إدريس بن يحيى واستأذنوه في حرب القصبة والدّفاع عنه ، ولو أذن لهم ما ثبت السّودان ساعة من النهار ، فأبى وقال : الزموا منازلكم ودعوني ، فتفرّقوا عنه ، وجاء ابن عمّه فسلّم إليه ، وبويع بالخلافة ، وتسمّى المهديّ ، وولّى أخاه عهده ، وسمّاه الساميّ ، واعتقل ابن عمّه إدريس العالي في الحصن الذي كان هو معتقلا فيه . وظهرت من « 2 » محمد بن إدريس هذا رجلة وجرأة شديدة ، هابه بها جميع البربر ، وأشفقوا منه ، وراسلوا المرتّب في الحصن الذي كان فيه إدريس ابن يحيى ، واستمالوه ، فأجابهم ، وقام بدعوته . وكان إدريس بن يحيى هذا أول ولايته ، بعد قتل نجا ، قد ولّى سبتة وطنجة رجلين برغواطيّين « 3 » ، من عبيد أبيه يسمّيان : رزق اللّه ، وسكّات ، فلمّا خلع ، كما ذكرنا ، بقيا حافظين لمكانهما ، فلمّا قام ، كما ذكرنا ، في حصن إيرش ، لم يظهر محمد بن إدريس مبالاة بذلك ، بل ثبت ثباتا شديدا ، وكانت والدته تشدّ منه ، وتقوّي منّته « 4 » ، وتشرف على الحرب بنفسها ، وتحسن إلى من أبلى . فلمّا رأى البربر شدة عزمه وثباته ، فتّ ذلك في أعضادهم ، وانحلّوا عن إدريس بن يحيى ، ورأوا أن يبعثوا به إلى سبتة وطنجة ، إلى البرغواطيّين اللذين ذكرنا ، وقد كان جعل ابنه عندهما في حضانتهما ، فلمّا وصل إليهما أظهرا تعظيمه ومخاطبته بالخلافة ، إلا أنّ الأمر كلّه لهما دونه ، فتوصّل إليه قوم من أكابر البربر ، وقالوا له : إنّ هذين العبدين قد غلبا عليك ، وقد حالا بينك وبين
--> ( 1 ) في الأصل : « ابني » ولا تستقيم ، وما أثبتناه من البغية والمعجب . ( 2 ) في الأصل : « في » ، وما أثبتناه من البغية والمعجب . ( 3 ) نسبة إلى برغواطة ، قبيلة من البربر . ( 4 ) في المطبوع من المعجب : « متنه » ، محرفة .